ابن عربي

451

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فيقول له : وإن كنت تعظم صفتي حيث تراها لغلبة شهودك إياي ، فقد أمرتك أن لا تشاهدها مقيدة في المحدثين ؛ فهذا من التأديب الإلهي لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تعظيم عزة اللّه إذا اتصف بها أحد من عباد اللّه . واعلم أن الغنى وإن كان باللّه ، والعزة وإن كانت باللّه ، فإنهما صفتان لا يصح للعبد أن يدخل بهما على اللّه تعالى ، وإن كان باللّه فيهما ، فلا بد أن يتركهما ويدخل فقيرا ذليلا . ومعنى الدخول التوجه إلى اللّه ، فلا يتوجه إلى اللّه بغناه به ولا بعزته به ، وإنما يتوجه إلى اللّه بذله وافتقاره ، فإن حضرة الحق لها الغيرة الذاتية ، فلا تقبل عزيزا ولا غنيا . وهذا ذوق لا يقدر أحد على إنكاره من نفسه ، فإن الغنى معظم في العموم حيث ظهر وفيمن ظهر ، والخصوص ما لهم نظر إلا في الفقر فإنه شرفهم ، فلا يبرحون في شهود دائم مع اللّه ، وما راعى الحق في عتبه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا جهل من جهل من الحاضرين ، أو من يبلغه ذلك من الناس بمن تصدى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلو عرفوا الأمر الذي تصدى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما عتبه ، ولا كان يصدر منهم ما صدر من الأنفة في مجالسته صلّى اللّه عليه وسلّم الأعبد ، فهل هذا إلا لذهولهم عن عبوديتهم للذي اتخذوه إلها ؟ ! فإن كانت الآية جاءت عتبا في حق فهم العرب ، لكن من يعلم مرتبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذوقه وشهوده يجعل الضمير في له في قوله تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 6 ] فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) للّه فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم له شهود إلا غنى الحق ، وأن عزته تعالى هي الظاهرة في كل عزيز ، فما تعدى ، من إذا شهد صفة الحق تصدى ، ولكن خاطبه اللّه تعالى بما يناسب الموطن ، والتكليف للدعوة يقول : إنه لما شاهد صفة الحق وهي غناه عن العالم تصدى لها ، حرصا منه أن يزكي من ظهر بها عنده فقيل له : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 7 ] وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ( 7 ) ولك ما نويت وحكمه ، لو تزكى لما فاتك شيء ، سواء تزكى أم لم يتزكّى . [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 8 إلى 10 ] وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 )